محمد حسين علي الصغير
226
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
كانت لا تخلو من رصد بياني أحيانا إلا أنها مباحث نحوية . إذن فمن الخير للعربية ، ومن الصيانة للتراث أن نرجع بالفنون إلى أصولها ، فما غلب من منحى على فن ما ، ألحق به وما تميز بخصائص نؤصله باتجاه متميز ، اختص به ، وليس في ذلك شطط ، بل فيه دقة وموضوعية ، الدقة في التغليب ، والموضوعية في المنهجة ، وإلا فالفنون العربية متداخلة الأبعاد في أجزاء من مباحثها ، فالنقد الأدبي ذو لمحة بلاغية ، والبلاغة ذات سمة نحوية ، والنحو ذو صلة لغوية ، واللغة ذات أقيسة منطقية ، والمنطق ذو مسحة فلسفية ، والفلسفة ذات سحنة أصولية ، والأصول ذو تفريعات كلامية وهكذا دواليك بالنسبة لفنون العربية الأخرى « 1 » . لا غبار أن مباحث البيان الأصلية أعني : المجاز ، التشبيه ، الاستعارة ، الكناية ، هي الأساس في بلاغة العرب ، ولكن لا مانع أن تتوج بالوصل والفصل ، والإيجاز والإطناب ، والمساواة فهذه مباحث لها رحم ماسة ، ووشائج متصلة بالبلاغة العربية دون ريب . وان مباحث المعاني المتقدمة في موضوعات الإسناد ، والخبر ، والإنشاء ، ومتعلقات الفعل ، وصيغ التقديم والتأخير ، والإضمار ، والتقدير هي الأساس في معاني النحو ، فلما ذا لا تقتطع من البلاغة وتعود إليه ، كما اقتطعت منه - من ذي قبل - وألصقت بالبلاغة ، وهي أقرب إلى النحو موضوعا وبحثها من مهمات النحويين لا غير . ولقد حمّل أستاذنا الدكتور الجواري النحاة مسؤولية هذا التهاون « لأنهم ألزموا أنفسهم باستيعاب المعاني وصرفها إلى ما سمي علوم البلاغة ، وهي في الحق معاني النحو التي لا يستقيم النحو إلا بها ، ولا تستقر قواعده إلا عليها ، وهذا أمر تنبه له غير واحد من الباحثين في مسائل النحو ونقد منهجه ، ولعل أولهم في عصرنا هذا المرحوم الأستاذ إبراهيم مصطفى في كتابه الجليل احياء النحو » « 2 » .
--> ( 1 ) ظ : المؤلف ، أصول البيان العربي : 26 . ( 2 ) أحمد عبد الستار الجواري ، نحو القرآن : 43 .